
زينب بنموسى
يشكل المسار السياسي المغربي المعاصر لوحة معقدة رسمت ملامحها بتقاطع الزمن السيادي الممتد مع الزمن الحكومي المحدود، في استجابة واعية لتحولات مجتمعية متسارعة، أعادت صياغة الأولويات الوطنية. فمن يتأمل تعاقب الحكومات يدرك أن أسباب نزولها كانت دائما متعلقة بالاستجابة الوظيفية لمتطلبات الدولة في لحظات مفصلية. وقد بدأ هذا الصقل التاريخي بحكومة التناوب التوافقي، كضرورة إنقاذية لتأمين انتقال العرش وتثبيت السلم السياسي، تلتها حكومة جطو التي نقلت التركيز نحو المصالحة المجالية عبر إطلاق الأوراش الكبرى، ثم حكومة عباس الفاسي التي حاولت مأسسة العمل الاجتماعي في بداياته.
ومع رياح 2011 استدعى السياق حكومة «البيجيدي» لامتصاص صدمة الحراك الشعبي، عبر فاعل يمتلك شرعية خطابية قادرة على تمرير إصلاحات هيكلية مؤلمة، بتكلفة حزبية تراعي استقرار التوازنات السيادية للدولة. تلتها حكومة العثماني التي أمنت مرحلة التسيير، وسط تقلبات الجائحة التي كشفت ضرورة الانتقال نحو نموذج جديد.
وصولا إلى الحكومة الحالية التي جاء سبب نزولها لينهي مرحلة الاستقطاب الإيديولوجي ويفتتح مرحلة التدبير التقني، حيث كان المطلوب هو بروفايل يمتلك الموارد، والانسجام مع مراكز القرار لتنزيل أضخم ورش اجتماعي في تاريخ المملكة.
وهنا يبرز الرابط العضوي مع الرهان الحقيقي للدولة، عبر قضية الصحراء المغربية مثلا. حيث إن بناء الدولة الاجتماعية هو تحصين للجبهة الداخلية، وتحويل لمقترح الحكم الذاتي من مشروع سياسي إلى واقع سوسيو اقتصادي صلب. فالدولة التي تضمن كرامة المواطن في أقصى الجنوب بنفس معايير المركز، هي دولة تمارس سيادة ناعمة تجعل من الانتماء الوطني عقدا نفعيا وأخلاقيا لا يقبل الاختراق، وفق ما تقتضيه نظرية بناء الدولة في أبهى تجلياتها.
وعلى هدي هذا التراكم، تتبدى لنا ملامح عهد جديد، يتشكل عبر ما تصفه نظرية النظم بـ«التوافق البنيوي»، وهو تقاطع بارع بين التوجهات السيادية العمودية والتحولات السوسيولوجية الأفقية. هذا التقاطع هو الذي خلق، بالضرورة، الحاجة إلى واجهة سياسية قادرة على التحدث بلغتين في آن واحد: لغة النسق السيادي الملتزم بالأوراش الاستراتيجية الكبرى، مثل الماء والطاقة والسيادة الغذائية، ولغة النسق الاجتماعي الذي أصبح يطالب برفاهية الجودة.
لذلك فإن حالة الحيرة التي تسبق الاستحقاقات القادمة، وما يرافقها من تدافع سياسي قلق – يترجمه سيل هائل من (المعلومات الضارة) التي ظهرت وستظهر فجأة في اللاحق من الأيام، وأشياء أخرى…- هي في جوهرها نتاج لقصور أدوات التحليل الكلاسيكية التي ترهن قراءتها بسؤال مَن، وتتجنب عن قصد سؤال لماذا. ربما لأن إجابة سؤال «لماذا» تكشف للسائل أنه استنفد هو الآخر أغراضه، وأن المرحلة لم تعد تتحمل بروفايلات نفعية، ولا بروفايلات تقنية ببرود ميكانيكي، بل تستوجب كفاءات تدبيرية تمتلك ذكاء تواصليا قادرا على إدارة توقعات المواطن، الذي انتقل وعيه من مرحلة طلب البقاء إلى استحقاق الجودة.
هذا القلق في ذاته وإن بدا في البداية كعلامة ضعف، إلا أنه في الحقيقة مؤشر على أن النسق المغربي الذي اعتاد تجديد نفسه، حين تستدعي الضرورة، يرفض إعادة إنتاج الصيغ القديمة التي استنفدت أغراضها الوظيفية، ويضعنا أمام عملية معايرة دقيقة للميزان السياسي لإنتاج نخب جديدة قادرة على ترويض تعقيدات المرحلة، والمزج بين صرامة الأوراش السيادية وانتظارات المجتمع المتطلع للرفاه. لأن النسق السيادي لن يسمح باختلال الأداء الوظيفي للفاعل السياسي بالتأثير على مرونته الاستراتيجية، أمام سياق تتداخل فيه الأجندات الوطنية والدولية. ومنه فإن الإجابة عن سؤال ما المطلوب من الحكومة القادمة، بدل من هي الحكومة القادمة؟ ستبقى- حتى إشعار آخر- هي البوصلة الوحيدة التي قد تساعد على التنبؤ بما سينتهي إليه مخاض الاستحقاقات القادمة… على «مايتزاد ونسميوه».. حكومة الصحراء.. والمونديال!





