
يونس جنوحي
يعود أول لقاء بين السفير محمد التازي والملك الحسن الثاني إلى سنة 1941 في زمن الملك الراحل محمد الخامس. كان اللقاء في سياق الاستقبالات والاحتفالات التي كان يحضرها الملك محمد الخامس رفقة ولي عهده. ورغم أن اللقاء وقتها كان بين كاتب مسرحي مبتدئ والأمير مولاي الحسن، إلا أن الأقدار ساقت للتازي أسباب الاشتغال في السلك الدبلوماسي لكي تتعدد اللقاءات بينه والملك الحسن الثاني.
خط التازي بعض ذكريات هذا اللقاء الأول: «كان اللقاء الأول مع جلالته في شهر يونيو من عام 1941 في مدرسة حرة للأستاذ محمد المنتصر الكتاني بالطالعة الصغرى بمدينة فاس، وتم اختياري لإلقاء كلمة الترحيب بالمغفور له جلالة الملك محمد الخامس، وولي عهده مولاي الحسن وكان مطلع الكلمة التي كتبت لي والقصيدة الكميتية التي ستتبع الكلمة لأقرأها: «يابن البهاليل الصيد من أبناء إسماعيل والرشيد، طبت أصلا وفرعا وسدت عجما وعربا»..
هذه هي الأبيات التي بقيت عالقة في الذاكرة.. وبقي فيها أيضا أن جلالته أمر أن أضاف إلى قائمة الذين سيرافقون سمو ولي العهد في المدرسة المولوية بالرباط، فقال والدي، وكان حاضرا في الاحتفال، إن وصية جدته أن يدرس في القرويين ليكون في دار المخزن كما كان جده كاتبا للسلطان مولاي الحسن، فقال جلالته: سيكون إن شاء الله، ثم أعطى تعليماته للمندوب في التعليم السيد عبد السلام الفاسي ليعمل على التحاقي بكلية القرويين، كما كانت تسمى في عهدها الزاهر».
أما اللقاء الأخير فيعود إلى سنة 1999، وبالضبط إلى يوم 10 يوليوز، أي قبل أيام قليلة من وفاة الملك الحسن الثاني.
تم اللقاء في القصر الملكي بالرباط، وكانت المناسبة الاحتفال بعيد الميلاد السبعين للملك الراحل.
يعلق التازي، بلغة الدبلوماسي الحصيف، أن المدة بين اللقاءين، الأول والأخير، ثمان وخمسون سنة كاملة.
كانت علامات العياء بادية على الملك الحسن الثاني، لكن السفير محمد التازي لم يتوقع أن يسمع خبر رحيل جلالته بتلك السرعة، بعد أقل من أسبوعين على تحيته أثناء الاحتفال بعيد ميلاده الذي اقتصر فيه الحضور على قلة من المقربين.
في هذا اللقاء الوداعي، لم تطل المدة التي انفرد فيها الملك الراحل بضيوفه. وحسب ما سجله التازي، في أرشيفه الشخصي، فإن واحدا من آخر اللقاءات التي جمعته بالملك الراحل، يعود إلى سنة 1994، ثم استدعاء آخر سنة 1996، كان الهدف منه حضور لقاء دعيت إليه شخصيات عربية، ووجد فيه التازي فرصة لإحياء الصلات القديمة مع زملاء السلك الدبلوماسي، وذكريات المهام التي سبق أن كلف بها لدى الأمانة العامة للجامعة العربية، خصوصا في فترة ثمانينيات القرن الماضي.
عندما غادر التازي السلك الدبلوماسي سنة 1994، كانت أمور كثيرة تغيرت في اهتمامات وقضايا الدول العربية. أولها أن الحرب، التي كانت تدور رحاها في الصحراء ضد البوليساريو، انتهت بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.. لكن صدى الطلقات بقي مستمرا، مع تصاعد المضايقات الجزائرية، ومحاولة التشويش على المغرب بفرض حضور البوليساريو في المحافل العربية على وجه الخصوص.
وبحكم أنه كان صديقا للرئيس الجزائري السابق، علي كافي، لم يكن التازي يتورع في الإدلاء برأيه في حضرة الملك الراحل تعليقا على التطورات والأخبار القادمة من الجزائر. فضلا عن أن التازي كان يعرف الرئيس التونسي زين بن علي جيدا، بعد أن تعرف عليه خلال فترة اشتغاله في تونس، أيام الرئيس الحبيب بورقيبة.. لكن التازي لم يكن يتوقع، صراحة، أن يتسلق بن علي المشهد السياسي سريعا، في ظل وجود أسماء قوية، ويصبح رئيسا للبلاد.
أحداث كثيرة عاشها التازي خلال فترة تقاعده سنة 1994، وصولا إلى سنة 2005 التي ودع فيها الحياة، وعلق عليها مستغربا تارة، و«متعجبا» في أحايين كثيرة.




