شوف تشوف

الرأي

الأكباش يتمردون.. «الأكباش يتمرنون»

لم يكن «الطيبان» الصديقي والعلج يلتقيان، عبر أعمال مسرحية مشتركة، إلا نادرا. وسمعت منهما على انفراد أنهما يقدران الدكتور حسن المنيعي، أب النقد المسرحي في المغرب، لكنهما كانا يحبذان عدم الجمع بينهما في دراسة واحدة.. على منوال المثل الدارج «خوك فالصنعة عدوك».
ليس في المسرح وحده تنشأ التبرمات، كي لا نقول «العداوات». ففي الغناء والموسيقى ابتعد عبد الوهاب الدكالي عن عبد الهادي بلخياط، كما لم يتفاهم عبد الوهاب أكومي مع أحمد البيضاوي. ولم يكن حارسا كرة القدم الهزاز وأبيض على قلب رجل واحد. وكذلك هو عالم الكتابة والشعر والنقد ينفصم إلى قبائل ومعاقل. وفي عالم السياسة والمناصب الرفيعة، حدث ولا حرج.
عندما كتب الصحفي محمد علي الهواري، في جريدة «الشعب» الجزائرية، أن الهرمين التقيا أخيرا، كان يشير إلى تكامل يصنعه ثنائي مبدع، وإن اختلف منظور كل منهما لمفهوم الفرجة المسرحية. وكان حظ الجمهور الجزائري أنه شاهد تحالف الصديقي والعلج في لحظة لم يكتب للمغاربة أن يعاينوها. زاد في تعقيد الموقف أن صحيفة «لوموند» الفرنسية كتبت عن ذلك العمل المشترك، بأن «الأكباش في المغرب يتمردون» على السلطة السياسية، مع أن المسرحية كان عنوانها «الأكباش يتمرنون». وما بين التمرد والتمرين فوارق في الحالة، على أن الطبيعة تشي بأن الخراف لا تتمرد، لأن قدرها الذبح، وإن غالت منظمات الرفق بالحيوان في تصوير فظاعة الإنسان تجاه الحيوانات العاشبة.
وقيل، في تقاليد عيد الأضحى، بنحر الأضحية لا الضحية، ثم جاء زمن مقيت تكفلت فيه تنظيمات إرهابية بتصدير صورة نحر الآدميين على الهوية، في أبشع مظاهر الغرائز الوحشية التي اعتقد الإنسان أنها صارت وقفا على الحيوانات اللاحمة الكاسرة.
كان عنوان المسرحية مثيرا في شكله وتوقيته وإيحاءاته، وصادف أن عرضها الأول التأم في الجزائر بمناسبة مهرجان للثقافة الإفريقية. وانهالت أقلام نقدية تربط بين أكباش الصديقي والعلج، وما كان يعرفه المغرب من احتقان اجتماعي وسياسي. وحُمِّل العرض الذي كان يتساءل ماذا سيحدث لو شكلت الخراف جبهة رافضة ضد نحرها في مناسبات الاحتفالات؟ أكثر مما يحتمل.
مازح العلج رفيقه في العمل الطيب الصديقي بأن عليه أن يصب الماء البارد على شعره استعدادا لحلقه.. لأنه كثيف الشعر، وتذرع بأنه يحلق ذقنه بنفسه، لكي  يحافظ على لحيته المهذبة. وتعمد الرجلان إخفاء هواجسهما بأن المسرح يعود في أصله إلى «التمسريح» أي الهزل واللعب. ولا داعي إذن لحشو ذلك العمل بأكبر من مقاصده. ففي النهاية لا أحد يعرف ما تفكر فيه الخراف قبل نحرها، بل إنها لا تتوفر على عقل يطرح الأسئلة.
عاد المبدعان إلى المغرب في ختام المهرجان الثقافي الإفريقي، وبدل أن يجدا في انتظارهما التشجيع والتقدير والتهليل، دعيا على استعجال للالتحاق بالقصر الملكي في الرباط. حكى العلج أنه استفسر زميله الصديقي عما يتوقع حدوثه، لأن له تجربة في هذا المجال.. فكاشفه الصديقي بأن في العرض خيرا، لأن الإيذاء لا يتطلب توجيه أي دعوة. وتوكلا على الله صباح يوم ليس مثل كل الأيام.
بلا ترحيب أدخلا إلى غرفة صغيرة، ضمت كرسيين للجلوس، على غير طقوس الحفاوة على الأرائك وتقديم كؤوس الشاي والحلويات التقليدية.. كان ذلك كافيا لقراءة الكتاب من غلافه. وكلما مر الوقت ارتفع منسوب القلق والتوتر والانتظار.. فلا أقسى من أن يجهل المرء ما ينتظره.
لقد سبق للكاتب الطيب العلج أن جمع شتات مثل هذه اللحظات في إحدى مسرحياته التي عرضت إلى تجربة متهم أدين بالإعدام، لم يشغله الحكم بقدر ما كان يؤرقه السؤال بشأن حلول موعده، وانتهت المسرحية بأن طلب أكلة لذيذة، لكنها كانت محشوة بالسم الزعاف.
ذاك مصير في مسرحية مأساوية، وهذا «عذاب» في الواقع المعيش. بيد أنه في كل مرة تتحرك الأصوات والأقدام، ينبعث بعض الأمل. طافت عقارب الساعة نصف الكرة الأرضية وهما ينتظران من الساعة الحادية عشرة إلى السابعة مساء. وعندما جاءت البشرى نهضا للسلام على الملك الراحل الحسن الثاني، لكنه أبعد يديه قائلا: «بلاش هذا التملق».
سأل الحسن الثاني بغضب: من منكما الكبش الأول ومن الكبش الثاني؟ أدرك المسرحيان أن القصة وما فيها ذات صلة بالعرض الذي قدماه في الجزائر، تذرع الصديقي بأنه ليس مؤلفا، وكل فعله أن أخرج المسرحية في قالب فني، لا يزيد عن دوره كمخرج. وسارع العلج إلى القول إن الفكرة استوحاها من الطيب الصديقي الذي يعتبر مؤلفها الرئيسي.
تركهما الحسن الثاني يتبادلان التهم، أفرغ كل واحد منهما ما في جعبته حيال الآخر، ثم انصرف داعيا لهما بالهداية. في رواية أنه قال إن مسؤولية الفنانين أن يقدموا ما يساعد في تنمية الأذواق وصون سمعة البلاد. وقد يكون ما حز في نفسه أكثر أن التأويلات ذهبت إلى أبعد مدى. وقال بهذا الصدد: «المغاربة أسود وأبطال وليسوا كباشا أو نعاجا».
كانت تلك المرة الأولى التي تبرأ فيها مبدعان مما أنتجاه بمحض إرادتهما. وبعد ثلاثين سنة تحديدا، انفتحت القلوب أمام أشكال من البوح العلني. وتسابق «الطيبان» الصديقي والعلج في نسب «الأكباش يتمرنون» إلى نفسيهما. فقد أصبح العلج يدعي التأليف وبعض الإخراج ونافسه الصديقي في القول ذاته.. إلا أن تلك المسرحية لم يكتب لها أن تعرض في المغرب.
ورحم الله الراحلين جميعا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى