شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرملف التاريخ

قصة أول خط بحري بين المغرب وأمريكا

أحمد شهبون.. مغربي يضع خريطة «أرض الميريكان»

«المولى محمد بن عبد الله، أو محمد الثالث، ورث عن جده المولى إسماعيل كل الجينات التي أهلته لكي يكون مفاوضا جيدا للفرنسيين والإسبان والأمريكان أيضا.

مقالات ذات صلة

منذ طفولته، نشأ في ظل جده المولى إسماعيل، السلطان الأسطوري، لكنه كان يختلف عنه كثيرا. فقد كان محمد الثالث يحلم باكتشاف العالم الجديد وراء المحيط الأطلسي.

ورغم المشاكل التي كان يعاني منها المغرب عند وصوله إلى الحكم سنة 1757، إلا أنه استطاع اختصار الوقت وتصحيح أمور كثيرة، من بينها علاقة المغرب مع فرنسا وإسبانيا على وجه الخصوص. وهكذا أعاد بناء المغرب داخليا، وانكب على تأسيس وتقوية أسطول بحري مغربي قوي يُجبر الأجانب على الالتزام باتفاقيات مع المغرب وأداء ضرائب مقابل المرور من السواحل المغربية، في اتجاه أمريكا.. البلد الذي طالما تساءل عما يُخبئه له رؤساؤه من مفاجآت».

يونس جنوحي

 

المغرب كلف تاجرا فرنسيا مقيما بسلا لكي يصبح ممثلا لأمريكا

كان السلطان محمد الثالث مشهورا في كتب التاريخ بأنه قائد أكبر حملة لإطلاق سراح الأسرى المغاربة، والذين وقع أغلبهم في الأسر في عهد جده المولى إسماعيل.

ويسجل التاريخ وجود رسالة من المولى محمد بن عبد الله، الذي وُلد في السنوات الأخيرة من حكم جده المولى إسماعيل، موجهة إلى ملك فرنسا، يقول فيها: «وجهنا لكم خديمنا القائد الطاهر فنيش ليتكلم في أمر اقتضاه نظرنا السديد معكم ومع جميع قونصوات أجناس النصارى الذين بإيالتكم من المصالحين معنا وغيرهم، على يدكم، وهو أن كل أسير أيّا كان فداؤه مسلم رأسا برأس».

بموجب هذه الرسالة، استفادت الولايات المتحدة الأمريكية، رغم أن السلطان لم يذكرها هنا، من هذا الانفتاح الذي قاده المولى محمد الثالث، ويتعلق الأمر بالإذن لعدد من الدول في ممارسة أنشطتها التجارية في المغرب، بعد سنوات من الجمود، بسبب تردي الأوضاع مع الخارج، ونهج سياسة الجهاد البحري والانغلاق، وهو ما تسبب في سقوط عشرات آلاف الأسرى المغاربة في قبضة أساطيل أجنبية.

بعض المؤرخين، مغاربة وأجانب، وعلى رأسهم د. عبد الهادي التازي، ربطوا بين هذه الخطوة والاعتراف باستقلال أمريكا. هذا المؤرخ المغربي ذهب إلى القول بأن سماح المغرب لأمريكا بمزاولة نشاط تجاري في المغرب، كان في الحقيقة اعترافا آخر، سبق الاعتراف الرسمي وفاقه أهمية، بسيادة أمريكا واستقلالها.

كانت هناك مشكلة أمام الولايات المتحدة، وهذه المشكلة تتلخص في كون الأمريكيين لم يكونوا يملكون قنصلا لهم في المغرب، لكي يمثل مصالح بلادهم بين الدول التي شملتها رسالة المولى محمد الثالث إلى ملك فرنسا.

يقول المؤرخ عبد الهادي التازي في موسوعته، «التاريخ الدبلوماسي للمغرب من أقدم العصور إلى اليوم»، وهو يتناول موضوع الرسالة إلى ملك فرنسا والتي كانت بتاريخ دجنبر 1777: «وبُعَيْدَ هذا التاريخ كلف سلطان المغرب تاجرا فرنسيا مقيما بسلا بمهمة القيام بقنصل عن الدول التي لا قناصل لها! وكان هذا الفرنسي إيتيان دو ديبير كاي، الذي عهد له بمهمة الاتصال بسائر الدول التي لا تمثيل لها بالمغرب. وهي وظيفة فريدة من نوعها باعتبارها تسهر على حقوق وواجبات المتغيبين والمتخلفين (..) وقد قام السيد كاي بالكتابة يوم 6 شتنبر 1779، بتعليمات من سلطان المغرب، برفع كتاب إلى الكونغرس بواسطة بنجامين فرانكلين بباريس، يخبرهم فيه بتسميته قنصلا لهم..!

وقد دفعت تلك الدبلوماسية البطيئة بالجانب المغربي إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة، من السفن الأمريكية التي تعبر الطريق في ظل «المؤقت الدائم»، دون أن تؤدي الواجبات التي تخضع لها سائر الدول. وهكذا فقد حدث يوم 16 أكتوبر 1784، أن أصدر العاهل أوامره بحجز سفينة أمريكية بطنجة كانت معروفة باسم «بيتسي»، إلى أن تكون للولايات المتحدة اتفاقية مع المغرب».

هذه السحابة في العلاقات لم تستمر طويلا، فقد طويت سريعا بعد تدخل ومفاهمة، خصوصا وأن البلدين وقتها كانا قد سبقا إلى إبرام اتفاقيات تاريخية، وتداولا في مقترحات متقدمة، أبرزها مقترح إنشاء خط بحري مباشر بين أمريكا والمغرب، يعود تاريخه إلى ما قبل تلك الأزمة، وبالضبط إلى يوليوز 1781.

 

 

 

محمد بن عبد الله وحُلم اختراق المحيط الأطلسي

يُحسب فعلا للسلطان محمد بن عبد الله، أنه كان يفكر خارج الصندوق. فقد ورث عن والده بلدا منغلقا، يعاني صعوبات في التفاوض لإطلاق سراح عشرات آلاف الأسرى المغاربة لدى الدول الأوروبية، ويعاني من مشاكل تعوق تطور التجارة المغربية، بسبب العداوات مع عدد من الدول.

استطاع هذا السلطان العلوي الشاب، في فترة قياسية جدا، أن يُعيد العلاقات مع دول أوروبا إلى أوجها، تماما كما كانت في عهد جده المولى إسماعيل.

أحد الأدباء والمؤرخين المغاربة الذين تطرقوا إلى هذه الفترة، هو المغربي محمد غريط. وهذا المؤرخ تناول العلاقات المغربية الأمريكية في مؤلفه الشهير «فواصل الجمان»، وهو الكتاب الذي صدر ما بين سنتي 1928 و1929، وتحدث فيه بالتفصيل عن الرئيس الأمريكي جوهن أدامس، ومدحه بأوصاف وعبارات، رأى بعض الباحثين أنها لا تخلو من مبالغات. لكنها على الأقل تبقى وصفا تاريخيا لما تضمنته وثائق ومراسلات فترة المولى محمد بن عبد الله.

لكن أبرز ما تناوله هذا المؤرخ المغربي الذي أتيح له الاطلاع على الأرشيف المخزني وقتها، ما يتعلق باهتمام محمد بن عبد الله بالملاحة البحرية. فقد كان لهذا السلطان عالم تحت تصرفه اسمه أحمد شهبون. وهذا العالم المغربي كان له الفضل في وضع أول خريطة للولايات المتحدة، أو العالم الجديد، كما كانت تُسمى في ذلك الوقت.

عرف إنجاز أحمد شهبون، ويُسمى في بعض المراجع بأبي العباس، تاريخيا بـ«الأطلس الملون». هذا الأطلس الملون تضمن صورة ضخمة لخريطة الولايات المتحدة، وعنونها صاحبها بهذه العبارة: «أرض الميريكان».

لولا العناية والتمويل اللذان وضعهما المولى محمد بن عبد الله لهذا المشروع، لما تم لأبي العباس شهبون أن يُتم مشروعه المتعلق بخريطة الولايات المتحدة والملاحة البحرية.

لكن أقوى إنجاز للمولى محمد الثالث، والذي عرف عنه تاريخيا باهتمامه بتطوير وإنشاء أسطول بحري عصري مغربي قوي، لمنافسة السفن الأجنبية التي تمر من المياه الإقليمية للمغرب والتسابق معها للتوغل في البحار الأخرى، الإنجاز الذي يتعلق بمقترح اتفاق الخط البحري الرابط بين أمريكا والمغرب.

فقد قرر السلطان يوم 4 شوال 1200 هجرية، الذي يوافق 31 يوليوز 1786، أن يُنشئ خطا بحريا يربط بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية. ولم تمض سوى 40 يوما فقط على صياغة هذه الاتفاقية، حتى جرى التوقيع عليها فعلا، وهو ما يكشف رغبة الأمريكيين في إبرام الاتفاق مع المغرب.

ورغم أن الأحداث التي أتت بها السنوات القليلة التي تلت هذا الاتفاق، كشفت عن انحراف لهذا الهدف وخروجا عنه، إلا أن العلاقات بين البلدين بقيت متينة جدا، وسرعان ما تجاوز البلدان الخلاف، كما سوف نرى في هذا الملف.

لم يكن سهلا إبرام هذا النوع من الاتفاقيات في وقت كانت فيه إسبانيا وفرنسا والبرتغال تحسب الخطوات جيدا، قبل مراسلة المولى محمد بن عبد الله، إذ إن السياق الإقليمي وقتها كان مكهربا للغاية، ولم يكن سهلا على الأوروبيين أن يروا كيف أن محمد الثالث استطاع لفت انتباه الأمريكيين في وقت لم تكن الدول الأوروبية مستعدة بعد للاعتراف بوجود الأمريكيين، باعتبارهم قوة اقتصادية جديدة تُنافس على كل من البحر المتوسط والمحيط الأطلسي أيضا.

 

 

+++++++++++++++++++++++

 

 

الملكة إليزابيث الأولى والمنصور الذهبي اتفقا على النزول في أمريكا

العهدة هنا على المؤرخ المغربي عبد الهادي التازي، الذي سبق في بعض محاضراته، وفي موسوعته «التاريخ الدبلوماسي للمغرب من أقدم العصور إلى اليوم»، أن أكد وجود ما أسماها: «طائفة من المراسلات الدبلوماسية» المتبادلة بين المغرب وبريطانيا، والتي يعود أغلبها إلى سنة 1601.

أي أن هذه المراسلات كانت في الفترة الأخيرة من حياة كل من السلطان المغربي والملكة إليزابيث الأولى، واللذين توفيا معا سنة 1603، ولم يكن يفصل بين وفاة كل واحد منهما سوى ثلاثة أشهر تقريبا.

كما أن المؤرخ عبد الهادي التازي سبق أيضا أن أشار إلى هذه المعطيات في مرجع عنوانه «تاريخ العلاقات الدولية»، واستند فيه إلى مراسلات تعود دائما إلى عهد الدولة السعدية، ووجد فيه مقترح تحالف قدمه المنصور إلى الملكة إليزابيث الأولى، وأبان فيه عن استعداده لوضع خبرة البحارة المغاربة، خصوصا المشاركين في الجهاد البحري الذي أرعب أقوى أساطيل أوروبا في ذلك الوقت، رهن إشارة أسطول الملكة إليزابيث للنزول في أمريكا.

هذا المشروع الذي لم ير النور بطبيعة الحال، بسبب مباغتة الموت لكل من القائدين السياسيين للمغرب وبريطانيا، انضاف إلى مشروع آخر كان الهدف منه إخضاع بلاد الهند لتصبح ضمن نفوذ مستعمرات بريطانيا العظمى، في عهد إليزابيث الأولى دائما. وكان مستشارو الملكة قد أشاروا إليها لكي تقبل دعوة المنصور الذهبي، وأخبروها أن الجيش المغربي استطاع التوغل في تخوم إفريقيا والوصول إلى نقاط إفريقية لم تصلها جيوش بريطانيا ولا جيوش أوروبية أخرى، وأكدوا لها أن لياقة الجيش المغربي وقوته كفيلتين بضمان انتصار ساحق في غابات الهند وأجوائها المناخية القاسية التي لم يكن جيش بريطانيا على ألفة معها. وهو ما جعل الملكة إليزابيث تقتنع بدعوة المنصور الذهبي وتوافق عليها.

يؤكد المؤرخ عبد الهادي التازي مُعطى مشروع النزول المغربي في أمريكا، حتى بعد وفاة المنصور السعدي، في موسوعته، قائلا: «في مذكراته عن زيارته إلى البلاد المنخفضة سنة 1612 و1613، لم يفت الحَجَري، المعروف بأفوقاي، أن يُسمي القارة الأمريكية بالدنيا الجديدة ويذكر سكانها الهنود وديانتهم، قبل أن يصلها الأوروبيون.

وعند حديث المؤرخين عن الأسطول المغربي الذي ظل «أسطورة البحار..» لم يفتهم أن يذكروا أواخر عهد دولة السعديين اقتحام قطع الأسطول لُجج المحيط الأطلسي حتى «لاطيرنوف»، الإقليم العاشر اليوم في كندا!

وإذا ما تحدث الناس عن مصادر تاريخ اكتشاف أمريكا، فسيكون عليهم أن يذكروا التقرير الذي رفعه محمد بن عبد الوهاب الغساني، سفير السلطان مولاي إسماعيل لدى الملك كارلوس الثاني، ملك إسبانيا -عاش ما بين سنتي 1609 و1691-، عندما تحدث بإسهاب عن المد الإسباني في القارة الأمريكية».

قصد عبد الهادي التازي بـ«لاطيرنوف»، مصطلح الأرض الجديدة، الذي تداوله الفرنسيون وقتها La Terre Neuve. ومن كثرة تردد العبارة على الألسن، عُربت بنفس كلماتها الفرنسية لتصبح شائعة بين المؤلفين والمؤرخين المغاربة بنفس الاسم. وهي تحيل، كما شرح التازي نفسه، على المقاطعة العاشرة في كندا اليوم. وهذا أكبر دليل على أن إرهاصات اهتمام المغرب بأمريكا بدأت قبل أن تُكتشف القارة رسميا، بحسب الرواية التاريخية التي يعرفها العالم أجمع.

الاهتمام المغربي المبكر باكتشاف أمريكا، ووصول بحارة مغاربة إليها، استثمرهما سلطان مغربي آخر، بعد أكثر من قرن على وفاة إليزابيث في عهد العلويين، ويتعلق الأمر بالسلطان محمد الثالث، والذي كان وراء فكرة تأسيس خط بحري باتفاقية بين المغرب وأمريكا، ليكون أحد أوائل أطول الخطوط البحرية المُنشأة في العالم، للربط بين ضفتي المحيط الأطلسي.

 

 

 

محمد الثالث.. حفيد للمولى إسماعيل أدخلته «أمريكا» التاريخ

عندما وُلد الأمير محمد بن عبد الله الذي عُرف تاريخيا باسم السلطان محمد الثالث، أحد أهم السلاطين الذين وحدوا المغرب وورثوا الحكم في ظرف حساس للغاية، واستطاع توحيد صفوف أغلب القبائل المتفرقة، كان وقتها قد مر أكثر من قرن على فكرة استكشاف القارة الأمريكية، (هذا ووُلد السلطان سنة 1710، وكان الأوروبيون فعلا قد بدؤوا يستقرون فيها ويستوطنون الأراضي).

لكن من يكون محمد الثالث؟ إذ إن المراجع التي تطرقت إليه وإلى فترة حكمه، تبقى قليلة بالمقارنة مع المراجع التي توفرت عن سلاطين آخرين جاؤوا من بعده.

أحد الباحثين المغاربة الذين انكبوا على سيرة السلطان محمد الثالث، هو الباحث محمد التهامي الوكيلي. يقول متحدثا عن حياة السلطان محمد الثالث: «وفي عام 143 هـ بعث والده المولى عبد الله أمه السيدة خناثة بنت الشيخ بكار المغفري/ وهي فقيهة وعالمة وزوجة السلطان المولى إسماعيل ومستشارته/ إلى الديار المقدسة، لحج بيت الله الحرام وزيارة مقام الرسول الكريم، وأرسل معها ابنه سيدي محمد وهو دون البلوغ، ومعهما جماعة من الشرفاء والعلماء كالقاضي أبي القاسم العميري والكاتب الوزير الشرقي الإسحاقي، فرحلوا برا إلى طرابلس ومصر في موكب فخم يليق بهيبة المغرب وعظمة والدة السلطان وابنه، كانوا محل التكريم والإجلال في كل مكان، وخاصة من طرف باشا طرابلس الذي بالغ في إكرامهم والاحتفاء بهم.

شب الأمير الصغير تحت رعاية والده وعناية جدته، ونهل من منابع العلم، حيث تمكن من دراسة الأدب والتاريخ والفقه والحديث، قبل أن يهتم بالجمع والتأليف، إلى أن أصبح من العلماء الأفذاذ والبارزين في قضايا الشريعة والأحكام.
وما كاد يبلغ الخامسة والعشرين من عمره حتى عينه والده خليفة له على مراكش، نظرا إلى ما كان يتحلى به من شخصية قوية وكفاءة عالية في التسيير والتدبير. وبرزت مواهبه في الحكم والسياسة في تلك المدينة، التي كانت تجتاحها يومئذ الفوضى والانحلال والمكائد من طرف المتمردين الذين حز في نفوسهم أن يروا مراكش ترفل في الرخاء، وتنعم بنظام محكم، ويسود فيها النظام بعد الفتن التي تمخضت عن عصيان قواد جيش البخاري وتمردهم في مكناس، بعد وفاة المولى إسماعيل وتنازع أبنائه: أحمد الذهبي والعباس وعبد المالك وعلي والمستعين على الملك.
ولقد حاول المولى سيدي محمد بن عبد الله إصلاح أوضاع مدينة مراكش بمجرد حلوله بها، ولكن العناصر المناوئة له ناصبته العداء، فرجع إلى مدينة آسفي، حيث انكب على وضع خطة تضمن إقرار الأمن والازدهار والعمران لسائر القبائل المحيطة بمراكش. وقد بويع أول الأمر في مدينة مراكش، ثم حمل إليه أهل فاس بيعتهم، فتوجه إليها معرجا على الثغور يتفقد أحوالها، ويرعى شؤونها قبل وصوله إلى العاصمة العلمية، حيث تولى الملك وقد حنكته التجربة والدراية، وسئم الناس الفتن، فأعاد إلى النفوس الطمأنينة وإلى الحياة بهجتها، وسار في الناس سيرة حسنة، وبنى المآثر الخالدة، ورعى الدين وأقام العدالة، وجدد للمغرب عزه وصولته ومجده وطولته، وعد مجدد الدين والدولة على رأس المائة».

المسؤولية المبكرة التي تحملها هذا الأمير، الذي صار سلطانا في ما بعد، وعدم انجرافه وراء الصراعات العائلية، ساهما في صناعة مجده في الحكم، فقد واجه المشاكل الداخلية ووحد صفوف القبائل المغربية واستعاد للمغرب هيبة افتقدها، بعد وفاة جده المولى إسماعيل.

يؤكد هذا الباحث المغربي أن السلطان محمد الثالث افتدى أزيد من 50 ألف أسير مغربي عند مختلف الدول الأوروبية، في إطار سياسته وقتها التي تقوم على حماية الحدود البحرية المغربية. وفي هذا السياق بالذات، يأتي الدور على قصة الخط البحري بين المغرب وأمريكا. إذا لولا قوة الأسطول المغربي في عهد المولى محمد الثالث، وتأمين الخطوط التجارية التي تمر من المياه المغربية، لما ترسخت لدى السلطان فكرة هذا الخط البحري، الذي كان ثورة وقتها في عالم الملاحة البحرية.

 

 

 

السلطان الذي تابع ولادة أمريكا..

يقول المؤرخ عبد الهادي التازي في موسوعته: «سيكون على المؤرخين لنشأة الولايات المتحدة الأمريكية أن يقفوا طويلا عند الصفحة الرائعة، التي وردت في تقرير دبلوماسي لسفير مغربي آخر عن فترة ميلاد الولايات المتحدة الأمريكية. ويتعلق الأمر بمحمد بن عثمان، سفير السلطان سيدي محمد بن عبد الله لدى الملك كارلوس الثالث سنة 1779، والذي تحدث عن القصة التي تعرف في تاريخ النضال الأمريكي بحفلة شاي بوسطن Boston Tea Party».

هذه الوثيقة التي أشار إليها عبد الهادي التازي، ليست سوى وثيقة اقتراح إنشاء خط بحري بين المغرب وأمريكا، ويعود تاريخها بالضبط إلى يوم 31 يوليوز 1781.

توجد نسخة من هذه الوثيقة في مقر المكتبة الوطنية الأمريكية، وهي توجد إلى جانب وثائق أخرى في حزمة المراسلات الدبلوماسية الأولى، التي توصل بها حكام الولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الأولى لتأسيسها، ويظهر جليا أن المغرب سبق دول العالم أجمع إلى ربط اتصال وثيق بالولايات المتحدة.

 

هل جعل تردي العلاقات مع بريطانيا محمد الثالث يتجه صوب أمريكا؟

الواضح أن المولى محمد الثالث ورث علاقة متينة بين المغرب وبريطانيا، تعود إلى عهد السعديين. لكن تحديات القرن السابع عشر، لم تكن تشبه في شيء التحديات الأخرى التي بات يشكلها سباق الدول الأوروبية على استكشاف القارة الأمريكية.

وهكذا، كان هذا السلطان محمد الثالث، الذي اشتهر بكونه رائدا في الجهاد البحري وحماية الثغور المغربية، وإطلاق ما يشبه «ثورة ثقافية» في المغرب، متحمسا بدوره لإنشاء اتصال بين المغرب وأمريكا.

هذا الخروج من «القوقعة»، ساهم فيه بدون شك تردّ واضح للعلاقات المغربية البريطانية. وهناك إشارات في وثائق رسمية إلى هذا التراجع، الذي حاول المولى محمد بن عبد الله أن يعوضه بالانفتاح على أمريكا «العالم الجديد».

حدثت أزمة دبلوماسية كبيرة بين المغرب وبريطانيا، كما أشار إليها المؤرخ البريطاني د. روجرز، في كتابه عن العلاقات المغربية البريطانية من عهد إليزابيث الأولى إلى حدود سنة 1900. وقد سبق أن تناولنا أقوى مضامين الوثائق التي اعتمد عليها هذا الباحث البريطاني، لرصد أقوى المحطات التاريخية بين البلدين.

وحسب هذا المصدر دائما، فإن المولى محمد الثالث كان يتوفر على عربة ملكية ورثها عن والده المولى عبد الله، لكنها بقيت لسنوات في مرأب القصر الملكي فراسل البريطانيين لكي يعملوا على إصلاحها.

المولى محمد الثالث لم يتوصل بأي رد عن طلب إصلاح العربة الملكية، والتي تعود قصتها إلى عهد المولى إسماعيل الذي تلقاها من الخارج بتوصية خاصة، واختلفت المصادر حول قصتها لتقول إنها كانت هدية من لويس الرابع عشر، وبين من يقول إنها كانت هدية من ملكة بريطانيا إليزابيث الأولى إلى المولى إسماعيل، بينما تشير بعض المعلومات رغم أنها غير دقيقة إلى أن المولى إسماعيل طلب أن تُصنع له عربة ملكية وتوصل بها لتكون هي العربة الرسمية لتنقلاته الملكية داخل مكناس وفي بعض سفرياته إلى المناطق المجاورة. وبقيت العربة رهن الاستعمال وتوارثها الملوك العلويون إلى أن أصيبت بكسر وتعطلت، ليتم توقيفها في مدخل القصر الملكي لسنوات، دون أن يتم إصلاحها. وفي عهد المولى محمد الثالث بن عبد الله (1710- 1790) عزم القائمون على البروتوكول السلطاني، وكانوا من العائلات العريقة في المخزن، على إعداد العربة الملكية بتوصية من المولى محمد بن عبد الله، وتمت مراسلة الفرنسيين والبريطانيين في الموضوع، لكن الأمر عرف مماطلة كبيرة، أثارت غضب المولى محمد الثالث في الأخير.

لم يتفصل أحد في الكواليس الحقيقية للموضوع، حتى أن القصر وقتها توصل بتطمينات مقتضبة لقرب إصلاح العربة الملكية، وقدمت وعود إما باستعادة العربة لإصلاحها في الخارج، أو إرسال عمال خاصين إلى المغرب لإصلاحها داخل القصر الملكي. لكن الأكيد أن العربة الملكية لعبت دورا كبيرا في الأزمة والفتور الذي عرفته العلاقات المغربية مع كل من فرنسا وبريطانيا، في عهد المولى محمد بن عبد الله. حتى أن بعض تجار الصويرة وقتها باتوا يتحسرون على تراجع العلاقات، وعدم تجديد بعض الاتفاقيات بين تجار أجانب وبين الدولة، وهو ما أثر سلبا على أرباح تجار المدينة الذين كان جلهم من اليهود المغاربة. هؤلاء تأثروا كثيرا بتراجع العلاقات المغربية البريطانية في فترة المولى محمد بن عبد الله، وبدا لهم أن عهد الاتفاقيات الاحتكارية لاستيراد وتصدير بعض السلع من وإلى المغرب، قد أصبح مجرد ذكرى ماتت مع أثرياء لندن ومانشستر الذين كانوا يضغطون على التاج البريطاني لكي يمكنهم من عقود احتكارية تضمن لهم مراكمة الثروة داخل المغرب وفي بريطانيا أيضا.

ربما تكون هذه العوامل الدبلوماسية والاقتصادية، وراء انفتاح المولى محمد الثالث على أمريكا وحملة الاكتشافات في أمريكا الجنوبية، والتي تسابقت عليها دول أوروبا أيضا.

صحيح أن التاريخ ربما لم ينصف المولى محمد الثالث، باعتباره أحد أوائل من تحمسوا للأراضي الجديدة، لكن وثائق التاريخ والأرشيف الدبلوماسي لأكثر من خمس دول، على الأقل، يُخلدان ذكراه جيدا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى