Made in India

يونس جنوحي
الخطوة التي عرفها موضوع اللقاح في المغرب، قبل نهاية الأسبوع الأخير، تستحق فعلا أن تكون درسا في إدارة وتدبير الأزمات. إذ رغم الأخبار التي رافقت وصول الطائرة المغربية للتزود باللقاح الهندي، بعد العراقيل التي ناقشها رئيس الحكومة تحت قبة البرلمان، وقبل ذلك هوجم بسببها وزير الصحة، من اندلاع حريق في أحد مخازن اللقاح، إلا أن أكبر مؤسسة صناعة لقاح في العالم وهي Serum Institute of India، بادرت إلى إعلان توفير الشحنة الأولى لصالح المغرب. ورغم أن هناك شراكة بين بريطانيا، ممثلة في جامعة أوكسفورد، وبين الحكومة الهندية في تأسيس المعهد الهندي للقاح، إلا أن الرأسمال البشري الهندي من علماء ومتخصصين وتقنيين وعمال، يعتبر نواة هذه الصناعة.
سبق لي أن حظيت بفرصة في أكتوبر 2019، لزيارة أكبر مصانع الأدوية بمدينة نيودلهي، ووقتها لم يكن أحد يتصور أن وباء سيضرب العالم بعد أسابيع، لكي يشتغل كل أولئك العمال النشيطين في صناعة الدواء، الذين تصادفهم في بوابات مداخل ومخارج أقسام معامل إنتاج الدواء، والذين للإشارة يأتون إلى مقر عملهم بالدراجات الهوائية أو النارية.
قال لنا المرافق يومها إن معامل إنتاج الدواء في الهند، تجعل من البلد رائدا في هذا المجال، وفي لائحة الدول العشر الأوائل التي تسيطر على جودة إنتاج الأدوية.
أما موضوع اللقاح ضد وباء كورونا، فقصة أخرى. إذ إن العلماء الذين تجندوا منذ ظهور الوباء لإجراء الأبحاث وسباق الوقت ومنافسة علماء أمريكيين وألمان وروس وصينيين، هم صناعة هندية خالصة. ربما يكون بعضهم قد ذهبوا لإتمام تخصصهم العلمي المعمق في بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو كندا، إلا أنهم يبقون صناعة خالصة للتعليم العمومي الهندي، الذي يوفر التعليم لأزيد من مليار و300 مليون إنسان، في بلد ينقل عنه الإعلام صورا كثيرة للفقر والحياة العصيبة.
ورد أيضا اسم شركة «باهارات بيوتيك»، وهي مؤسسة ضخمة توفرت لي فرصة زيارتها في البرنامج نفسه، الذي نظمته وزارة الخارجية الهندية. هذه المؤسسة تقع على مساحة ضخمة، حتى أن التنقل بين مرافقها يحتاج إلى وسيلة نقل لربح الوقت والجهد. العاملون في المؤسسة يشتغلون على الصناعات الدقيقة، ولا وجود لأجنبي واحد هناك. كل العاملين هنود، بدءا من المدير وصولا إلى أصغر الأطر التي تتدرب داخل أروقة المؤسسة. ويشرف العاملون على تجارب صناعة الرقاقات والصناعات الذكية، التي تستعمل في الاتصال والأمن المعلوماتي، وصولا إلى تطوير آليات إنتاج الأدوية، ومعالجة الفيروسات والجراثيم.
ورغم أن الدول الكبرى خاضت حربا إعلامية كبيرة في ما بينها، أثناء السباق للوصول إلى اللقاح، إلا أن الهند كانت خارج كل الحسابات، إلى أن فاجأت العالم بهذا الموضوع.
المؤسسة المسؤولة عن التطوير تشبه كليا دويلة صغيرة داخل الهند، ومديرها الهندي الذي افتخر كثيرا بأنه صناعة هندية خالصة، قال يومها إنه كلما سمع «المغرب» إلا وتذكر ابن بطوطة، الذي يعتبره من أعظم الرحالة الذين عرفهم العالم.
افتخار مدير المؤسسة التي تصنع لقاح كورونا اليوم بانتمائه القومي، بلغ حد إصراره أثناء عرض للتعريف بالشركة وميزانياتها للبحث العلمي، على وضع كل أرقام التكلفة بالعملة الهندية وليس بالدولار، كما تفعل عادة مؤسسات أجنبية. وعندما حاول أحد الصحافيين التلميح إلى أنه كان حريا بهم تسهيل الموضوع بوضع الدولار، أجابه المدير بأن بمقدوره حساب سعر العملة بنفسه، وبقي مصرا على مواصلة عرض كل الأرقام بالعملة الوطنية.
لعل الكثيرين يتساءلون عن سر تسهيل حصول المغرب على اللقاح الهندي. والجواب أن الهند وقعت مع المغرب، خلال السنوات الأخيرة، اتفاقية للتعاون في مجال تصدير الصناعات التقنية والدوائية. كما أن الخارجية الهندية تملك اليوم برنامجا حقيقيا في إفريقيا، يتضمن برامج للتعليم عن بعد في دول جنوب الصحراء، وإحداث جامعات «أونلاين»، تسلم شهادات لآلاف الشبان في القرى الإفريقية التي تعرف نزاعات.
عندما بدأت الهند هذا المشروع، كانت الحكومات المنافسة تسخر من الإقلاع الهندي في المجال التقني والمعلوماتي والصناعات الدقيقة، وها هي اليوم تثبت للعالم أن الدول التي تكرس عنها صورة ما، تستطيع إحداث الفرق وبقوة.