
بقلم: خالص جلبي
ليس من إنسان إلا وخضع لعملية جراحية في حياته صغرت أم كبرت، أما طقطقة طبيب الأسنان فاسأل بها خبيرا، ولكن مدّ يدك إلى جيبك بعمق. وأهمية الجراحة أن حياة الإنسان تحت يدي الجراح، وعدد الأموات الذين رأيتهم في قاعات الجراحة حتى في التخدير عجيب، منهم رجل قوي دخل القاعة لتنظير ركبته فخرج جثة، ومنهم سيدة جاءت لعملية دوالي فتدلت إلى القبر فهي تتدلى. ومنهم صديقي في المغرب الذي دخلت زوجته للولادة فأنجبت، ولكن قلبها توقف، وطبيبها مشغول بمريض آخر كسبا لمزيد من الدراهم، أما هي فما زالت في نوم وسبات بعد عشرين عاما، فلا هي حية فترجى ولا ميتة فتنعى. وأنا شخصيا مارست الجراحة أربعين سنة، ولكنني لم أخسر أربعة، وهي شهادة مطعون بها فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى، وحاليا ننتظر عملية لأحد أفراد عائلتنا في كندا، ليس لتداخل أولي، بل لأن طبيبة مشهورة في مونتريال أجرت عملية فاشلة، نكبت بها مريضتنا فتحتاج إلى الإصلاح. وقد يتعجب القارئ المغربي لو قلت له الطب في كندا (طب الخرطي) من انتظار قاتل، وتداخل خاطئ، ونقص في الأطباء فادح، واحتكار للسوق بيد مافيا مدربة على شفط الدولارات. روى لي منصف الديراجي، البرلماني المغربي في مونتريال، أن دخل طبيب الأشعة السنوي 1.5 مليون دولار، أي هو بالدرهم المغربي المسكين مضروب الرقم في 7.5 مرات، فاحسبه إن استطعت إلى ذلك سبيلا. أي هو مبلغ يمكن أن تشتري به في المغرب سبع شقق دفعة واحدة، فتبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام. ولكن الرب في المغرب كأنه غير الرب في كندا وأوروبا. ولذا فمن كان دخله الشهري (بالعملة المغربية = 750000 إلى 1500000 درهم)
لن يسمح للغرباء المتطفلين من الأطباء المهاجرين من دخول السوق، وهو ما حصل معي؟
قالوا لي من اللحظة الأولى: ما هي مهنتك؟ هل أنت نصف أمي تتقن النجارة والباتون وإصلاح «الروبينيات»؟ قلت منتفخا: بل استشاري في جراحة الأوعية الدموية. قال لي جاروفي، المنتفخ في بنطاله بأشد من خنزير بري: لا مرحبا بكم، ولكن هات مليون دولار استثمار حتى نؤمن لكم هجرة إلى الجنة الكندية. حاليا العديد من العائلات المغربية التي تتقن الفرنسية، والتي هاجرت إلى مقاطعة كيبيك التي تنفق جبالا من الأموال للمهاجرين لتعليم الفرنسية، التي تحتضر، تفكر جديا في العودة إلى الوطن الدافئ المشرق. في المغرب ثمة أمة، أما في كندا فبابل بلبل الله ألسنتهم بين بنغالي وصيني وقبطي ولبناني ويهودي ونرويجي، اجتمعوا بغير موعد، يضمهم دولار واقتصاد، فإن زلزلت الأرض فلن يبقى سوى السكان الأصليين؟
أنا شخصيا بعد أن خسرت بلدي، لم يبق أمامي إلا الرحيل في أرض الله مهاجرا بين قبائل التيوتون، والأعراب أشد كفرا ونفاقا، وأخيرا إلى كندا التي تعطيك الإقامة، بعد أن تسحب من جيبك آخر قرشا وفرته من صحراء التغرب والتشرد. وبالنسبة إلى الطب فاعتبر نفسك بغير طب، فحتى تسجل عند طبيب العائلة (FAMILY DOCTOR)، عليك الانتظار خمس سنوات. تفاءلت أنا حين قصدت مكتب الإمبراطورة (شاهنشاهي)، عفوا طبيبة العائلة التي ظفرت بها زوجتي المغربية، بعد رحلة في الأوقيانوس الطبي، بدون بوصلة وشراع. سألتها بلهفة وأنا المتقدم في السن أن تضمني تحت جناح زوجتي، قالت: أنا آسفة عليك الانتظار، ثم دفعتني إلى السكرتيرة لتعيين وقت لي لدخول إمبراطورية هزيلة من غرفة قميئة تتسع لشخصين. عرفت أن أمامي أربعون مريضا، وعلي الانتظار مثل كهف علي بابا والأربعين حرامي، ربما أربع سنوات أخريات.
ابنتي أجرت عملية انتهت بنكبة، فنحن حيارى في الحل بين ألمانيا وكندا في طب (الخرطي). حين بدأت قدماي بالتنميل عرفت أن سببه اثنان، إما تضيق في الأوعية الدموية، أو تضيق في مخرج الأعصاب في الظهر. حاولت في كندا أخذ موعد عند طبيب جراح الأعصاب، قالوا: ليس من مواعد ولو بعد سبع سنين. جاء الفرج من المغرب الجميل، حيث اجتمعت وفي اليوم نفسه في موعد مع جراح الأعصاب المغربي عبد الصمد الوهابي، الذي أدخلني بسرعة إلى قاعة العمليات، فمنحني ساقين جديدتين، فأنا بهما أمشي ليس 400 خطوة كما كان، بل أربعة كيلومترات ويزيد؛ فأنا أدعو له بكل خطوة وبعد مرور أربع سنوات على العملية الناجحة، ولو بقيت أنتظر الطب الكندي طب (الخرطي)، لكان أمامي أحد مصيرين، إما الشلل وانحباس البول وحشرجة التبرز والإعاقة الجنسية، بل والشلل النسبي في البيت، فلا خروج ولا دخول إلا إلى دورة المياه، وإما أنهم سلموني إلى طبيب مبتدئ يتدرب على التعساء كما حصل مع ابنتي، فنكبوها في العملية فهي في انتظار إصلاح مشكوك فيه. بقي أن أضيف أن الدكتور الوهابي زيادة على عمليته المباركة، قال لي بالحرف الواحد: أنت زميل لنا ونحن لا نأخذ أتعابا من الزملاء، وحذا حذوه طبيب التخدير، فلم يتقاضيا أتعابا. فأنا أنصح المغاربة من أحفير ووجدة إلى أكادير وزاوية سيدي حجاج والجديدة وكاب نيغرو أن يقصدوا المكان الذي أجريت فيه العملية، فيتعافوا من سقم؛ فهذه هي تجربتي مع الطب الكندي طب (الخرطي).
عندنا في مدينة القامشلي المقرودة التي استولى عليها الأكراد الشوفينيون، عملاء البنتاغون الذين بدؤوا بتحريم وتجريم تعلم اللغة العربية. أذكر منها أمثلة قبيحة منها: اسم كبير على ضيعة خربانة. يقول المغاربة عن الضيعة دواوير أو «عروبية»، فهذا هو الطب الكندي بكل أسف. لذا وضعت لنفسي قاعدة تقول إن تعرضت لحادث قاتل ومرض سريع مميت، فأراجع مشافي طب (الخرطي)، وإن كان بإمكان الانتظار فالمغرب الدافئ الجميل والرخيص أيضا.
عملية الظهر التي عملتها في المغرب، تكلف في كندا وأمريكا الرقم مضروبا على الأقل في خمسين ضعفا. أصلحت أسناني في المغرب وأسنان زوجتي عند أخ فاضل، دفعنا فيها 17000 درهم، هو مبلغ هنا في كندا لمعالجة ضرس واحد. نزع العصب في كندا كلفني ألف دولار، وهو في المغرب مقسوم على عشرة. ولذا قررت أن الحالات المستعجلة علي فيها مراجعة هذا الطب الكارثي، لأنني بين الموت والعلاج. وهم بالمناسبة في هذه الحالة إن رأوا نزفا صاعقا، أو مسنا مختنقا مزرقا، أو امراة خرج رأس الجنين من بين رجليها، لها الأمل إن رآها طبيب خائب وممرضة متثاقلة. وهو ما وطنت نفسي عليه أن أقطع تذكرة طيران والمعالجة في المغرب من جيبي، على أن أنتظر موتا قادما أو طبيبا خائبا. حاليا أنا على موعد مع الطبيب بنكيران، لمعالجة (الساد = الماء الأبيض = CATARACT) في عيني.
نافذة:
قد يتعجب القارئ المغربي لو قلت له الطب في كندا (طب الخرطي) من انتظار قاتل وتداخل خاطئ ونقص في الأطباء فادح